نصر حامد أبو زيد

158

الاتجاه العقلي في التفسير

قدر عقله ، وعلى قدر ما تتسع له لغته بمواضعتها وأبنيتها ، لو وسعها المعتزلة قليلا ليناقشوا على أساسها كل الآيات التي اعتبروها متشابهات لاقتربوا بذلك من التحليل السليم لهذه الآيات ، ولأدركوا جوهر المشكلة المعقدة التي واجهتهم وهي « أن الوحي قد اختار اللغة العربية كنظام إشاري عام بين اللّه والانسان » 76 وهي لغة بطبيعتها بشرية ومحدودة ، لا تتسع إلّا لمدارك البشر ومعارفهم . ولكن هذه الفكرة - فكرة المخاطبة على قدر عقل المخاطب واعتقاده - ظلّت للأسف فكرة جزئية ، يلجأ إليها المعتزلة في تأويل بعض الآيات . والفراء في المثال السابق يريد أن ينفي الجهل عن اللّه ، ومن ثم يلجأ إلى هذه الفكرة التي تكشف عن هدفه لكنها تظل فكرة جزئية تدور في اطار نحوي هو تقدير محذوف هي كلمة ( عندك ) أو ( عندكم ) . ولقد كانت هذه الفكرة نفسها - حتى مع ضيقها وجزئيتها - كفيلة بأن تحل مشكلة الآيات التي تنسب إلى اللّه افعال البشر من المكر والعجب وكافة الانفعالات الانسانية . لكن الفراء يطرحها وراء ظهره تماما حين يتعرّض لمثل هذه الآيات . ففي قوله تعالى وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ يقول : « نزل هذا في شأن عيسى إذ أرادوا قتله ، فدخل بيتا فيه كوّة وقد أيده اللّه تبارك وتعالى بجبريل صلى اللّه عليه وسلم ، فرفعه إلى السماء من الكوّة 77 ودخل عليه رجل منهم ليقتله ، فألقى اللّه على ذلك الرجل شبه عيسى بن مريم . فلما دخل البيت فلم يجد فيه عيسى خرج إليهم وهو يقول : ما في البيت أحد ، فقتلوه وهم يرون أنه عيسى . فذلك قوله وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ والمكر من اللّه استدراج ، لا على مكر المخلوقين » 78 وبذلك يعتمد الفراء على الموروث القصصي لينفي المكر بالمعنى الانساني عن اللّه . فإذا انتقل إلى آية أخرى هي قوله تعالى : بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ راح يرجح بين القراءات . يقول : « قرأها الناس بنصب التاء ورفعها والرفع إلي أحب لأنها قراءة علي وابن مسعود وعبد اللّه بن عباس . . . قال شقيق : قرأت عند شريح بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ فقال : إن اللّه لا يعجب من شيء ، إنما يعجب من لا يعلم . قال : فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال : إن شريحا شاعر يعجبه علمه ، وعبد اللّه أعلم بذلك منه . قرأها ( بل عجبت ) . قال أبو زكريا : والعجب وإن أسند إلى اللّه فليس معناه من اللّه كمعناه من العباد وكذلك قوله اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ليس ذلك من اللّه كمعناه من العباد ففي هذا بيان بكسر قول شريح . وإن كان جائزا ، لأن المفسرين قالوا : بل عجبت يا محمد ويسخرون هم . فهذا وجه النصب » 79 . والفراء ، وإن انتهى إلى اختيار قراءة الرفع ، لا يجد مفرّا من القول بأن عجب اللّه ليس كعجب المخلوقين ، دون أن يبين ذلك أو يوضحه . ومع